صفحة من كتاب (حياة أبي)

بقلم – جابر ملقوط
الأب والأم حياة فوق الحياة، وفراق أحدهما أو كليهما موت فوق الموت؛ ولأن الظروف لم تترك خيارا غير الفقد فقد ذرفت الدمع كما لم يكن منذ بلغت (الشهرين) من عمري والذي يدلف الآن دهاليز(السادسة والخمسين) لتجافي دفء حضن وصدر آية الحب والحنان أمي- يرحمها الله وأبي وأموات المؤمنين والمسلمين- والتي لم أرها أو أعاني الأسى عليها؛ ليحاول ذلك الأب العظيم مع أخت لم تتجاوز السابعة من عمرها لجم بكائي وكبح نهمي دون جدوى
ويشاء الله انتقالي في ذلك العمر المبكر لكنف أسرة تعيش البداوة حسا ومعنى، لأفتح عيني وأتعلم توالي الخطا خلف شاة وناقة وأتعرف على الذئب والنمر والصقر والأفعى منذ نعومة الأظافر، وإلى هنا لم أعرف مدلول كلمة(الأب) فقد قامت من أرضعتني
وصنعتني على عين رعايتها – بعد الله- بسد بون الأبوة العميق بحبها واهتمامها- يرحمها الله رحمة الأبرار- وكان سماعي كلمة(ابني)لماماً حين يتعاودنا شخص بالزيارة فترة الأعياد حاملا معه بعض الهدايا لي ولتلك الأسرة العظيمة، دون وعي مني لمعناها، وعندما بلغت عامي الثامن من رحلتي الحياتية زرع الله في قلبي حبّ المدرسة، فيممت وجهي تلقاء منزل أبي وإخوتي بجوار محافظة(الداير) ومن وقتها بدأت نبضات القلب تكتب صفحات الأبوة الحانية ومنها:
شعوري ذات صباح ومع إشراقة شمس بداياتي مع (اقرأ) بصداع وارتفاع حرارة وآلام أنزلتني من على أول كرسي عرفته لأعود أدراجي للمنزل وبجوار صندقة على قارعة الطريق ألقيت بنفسي والأنين جليسي؛ليسمع وشوشتنا أحد المارّة والذي أوصل الخبر لأبي المنهمك في حراثة مزرعتنا مصدر غذائنا وثروتنا حينها، فترك ما بين يديه وأتى يجري
فلا سيارة ولا إسعاف يومها بعموم الجهة وما جاورها، واحتمل شنطة كتبي بيد وأردفني الأخرى فوق عاتقيه ورأسه الأشعث بين يدي وأمرني بالإمساك بتلك اللمة من شعره المعفر بغبار الأرض ذي الرائحة الثرية( من الثرى) بعد غيث سارية ممطرة أثناء الليل
واختلط عرقه بثوبي وكلما قبضت الناصية بيدي أزاحتها سيول العرق الممسك(من المسك) بحدب الأبوة الصادقة، وعلى امتداد قرابة( الخمسة) كيلومترات عرفت معنى الأب وسكن ذلك الأعزل من الكراهية قلبي وخلب لبي، وبدأت عربات قطاره الفارهة تتقاذفني وسط وسائد عواطف الحب والرعاية والعناية والتوجيه إلى حينه.
ومع ملامح استواء رحلة حياتي بكامل مقاديرها يشاء الله حدوث ما ليس منه بدّ
في هذه الدنيا وأظلني الأربعاء الأسود الموافق(1447/5/21) بظهيرة أشبه ما تكون بصيّب فيه ظلمات ورعد وبرق، أستعيد الذكرى فلا أكاد أراها فمن زرع داخلي كل معاني السمو غادرني – وهو على حدود (المئة) سنة- رأيتها كيوم أو هي أقل وهو
مغمض العينين مسجى الجسد مدثر الكفن موسد اللحد موارى التراب، أنزلته القبر مع ارتعاش يدي وحرارة دمعي شاركني الحال جمع غفير من المعارف والزملاء ومحبي الخير، ومكثت غير بعيد من قبر فقيدي أدركت خلالها كل معاني الفقد والحرمان وقد بلغت من العمر ما فيه اشتداد العود وتوفر الصبر والتجارب، ولكن غياب الأحباب الأبدي وفقدهم السرمدي عن مسرح الحياة أعظم مصاب يحق لذويه الألم والانتحاب، يرحمك الله يا أبي رحمة الأبرار، وتولاك الله بمغفرته وإحسانه ورضاه وسائر أموات المؤمنين والمسلمين، و( إنا لله وإنا إليه راجعون).



