مقالات

قالَ لي جدّي!

بريك العصيمي.

 

 

كثيراً ما نَجِدُ عِندَ الكِبارِ شيئاً من الحِكمَ والمواعظَ، التي خرجت من رَحِمِ معاناتهم وتجاربهم على مر الشهور والسنين.

كُلُ واحدٍ منَّا له ذكرياتُه الجميلةُ والخاصةُ مع من هو أكبرَ منه، واليومَ سوفَ أُحدِثُكم عن موقفٍ مؤثرٍ حصلَ لي معَ جدّي رحمه الله.

كان جدّي مُؤذنَ القريةِ التي يَسكنُ فيها، وكانت قريةً زراعيةً جميلة، من القرى القريبةِ من مدينةِ الرياض، وكانَ محبوباً من أهالي القرية، ذا مكانةٍ عندهم صِغاراً وكِباراً؛ لما يتحلى به من صَلاحٍ وحُسْنِ خُلُق.

وكان بيتُهُ مقصداً للزوار لا سيَّما يومُ الجمعة، ممن يأتي من البوادي القريبةِ من القريةِ؛ للصلاةِ والتبضُعِ من سوقِها العامرِ أنذاك.

ولأننا كنّا نسكنُ مع والدي رحمه الله في مكة؛ كان جدّي يتعاهدُنا بالزيارة بين فينةٍ وأخرى ويَجدُها أيضاً فرصةً لأداءِ شعيرةِ الحجِ أو العمرة.

في يومٍ من الأيام ذهبتُ أنا وجدّي على سيارتي لصلاةِ الجُمعةِ في يومٍ شديدِ الحر، ومعروفةٌ كيفَ هي أجواءُ مكةَ في فصلِ الصيف، وأنا أقودُ السيارةَ حانت مني إلتفاتةُ إلى جدّي فجأة، فإذا بعينية تذرفان الدموعَ فقلتُ: خيراً يا جدّي! فقال: يا ولدي إذا كان هذا حرّ الدنيا فكيف بحرّ الآخرة!

يالله، ما هذه الروحُ التي تعلقتْ بربها خشيةً وخوفاً وحباً!

وبينما أنا أتأمل كلمات جدّي، فإذا به يخاطبني محاولاً أن يَغرسَ في نفسي ويؤسسَ في أعماقي حقيقةَ الوجودِ الإنساني في هذه الحياةِ القائمةِ على الخوفٍ والرجاء.

فقال: يا ولدي المكيفات نوعان: مكيفات الدنيا، ومكيفات الآخرة.

مكيفات الدنيا: هي هذه التي نتقي بها حرارة هذه الأجواء.

ومكيفات الآخرة: هي الأعمالُ الصالحة(من صِيامٍ وصَدَقةٍ وصَلاة) التي تكونُ معكَ في القبرِ ويوم الحشرِ والنشر، فتقيكَ بعد فضلِ اللهِ مما فيها من الأهوالِ والشدائد.

ما أعظمهَا من موعظة! وما أروعها من كلمات! كانت موعظةً بليغةً بألفاظٍ وجيزة، لكنها ذاتُ دلالاتٍ ومعانٍ عميقة.

ماتَ جدّي، وبقيتْ كلماتُه خالدةً في ذاكرتي، وها أنا أبُثُها لكم اليوم؛ لعلها تهدي الحائرَ، أو يستنيرُ بسببها في طريقِه السائرُ.

قفلةُ الختام:
رَحِمَكَ اللهُ يا جدّي، وجَعَلَ قبرَك وقبرَ أبي روضةً من رياضِ الجنةِ، وجميعَ موتى المسلمين.

“وذكّرْ فإن الذكرى تنفعُ المؤمنين”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى