مقالات

‏خواطر.. موظف الخطوط الجوية السعودية

بقلم ـ أسعد واصلي

شكر الناس من آداب اللباقة واللياقة (الأتكيت) بل هو قبل ذلك خلق إسلامي نبيل، رفيع المستوى، حث عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال:”:من صنع إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه “[١]، وقال عليه الصلاة والسلام:” من لا يشكر الناس لا يشكر الله”[٢].
وجاء في الحديث الشريف: “صنائع المعروف تقي مصارع السوء “[٣]، وقال الشاعر الحطيئة:
مَن يَفعَلِ الخَيرَ لا يَعدَم جَوازِيَهُ
لا يَذهَبُ العُرفُ بَينَ اللَهِ وَالناسِ

عندما نتعرض لمواقف في لحظات حرجة، ونجد من يساعدنا، ويقف معنا، ولو بعبارات مواساة وتخفيف وشيء من التهذيب واللياقة، قد تذهب عنا الشعور بالتوتر الحاصل جراء الضغط النفسي، ولولاها لفقدنا صوابنا، ووقعنا في الخطأ بحق الأخرين!
مثل هذه العبارات تُحْدث فينا تأثيرا إيجابيا في نفوسنا وتترك لدينا انطباعا جيدا، وأثرا حسنا.
ونحن -والله- أحوج ما نكون إليها اليوم، فالكلمة الطيبة سحر للقلوب و تهدئة للنفوس.
تمر بالإنسان مواقف كثيرة في هذه الحياة لكنه لا يقف عندها كثيرا أو لا يلقي لها بالاً!
لكن بعض المواقف تبقى عالقة في الذهن ولا تنسى، بل تجبرك على الوقوف عندها طويلا، ولا تمحى من الذاكرة!
وهذا الشيء الذي حصل لي فوق الكلمة، بل هو فعل وعمل وموقف إنساني نبيل، وخدمة قدمت لي..
وصلت مطار الملك عبدالعزيز بجدة ذات مساء جميل من مساءات عيد الفطر المبارك، رحلتي الأصلية كانت متأخرة جدا، استجدت أمور طارئة لي دعتني أن أطلب تقديمها!
ولا يخفى عليكم؛ ازدحام الرحلات الجوية بالمسافرين مع المواسم والأعياد، والناس فيها ما بين قادمين ومغادرين، ذاهبين وعائدين، مستقبلين ومودعين، والطائرات مابين هبوط وإقلاع، هكذا هي الحياة العصرية؛ رحلة سفر لا تنتهي!
دخلت صالة المغادرين متوجها إلى مكتب مبيعات التذاكر، وصلت إلى ذلك المكان فإذا هو مكتظ بالمسافرين! انتظرت دوري، وبعد فترة ناداني (موظف الخطوط السعودية )، تقدمت إليه فابتسم لي قائلا: كيف أخدمك؟
سلمت عليه، وقدمت له تحية المعايدة فرد علي بأحسن منها، قلت له: من فضلك؛ أريد تقديم رحلتي إلى أقرب رحلة إلى (جازان )!
طلب مني هويتي الشخصية، ورقم حجزي السابق، فقدمتها له، ثم نظر إلى الجهاز الذي أمامه، فقال: يوجد رحلة على درجة رجال الأعمال ( بزنس)!
وأنا حجزي السابق على درجة الضيافة!
اضطررت لأخذها، وطلبت تحويل حجزي عليها، أنهى إجراءات السفر، بعد أن دفعت الفارق المالي بين الحجزين!
إلى هنا الأمور عادية!
توجهت بعدها (مباشرة)، بعد أن شكرته، إلى المكتب الذي وجهني إليه ( مكتب درجة رجال الأعمال)، وجدت صفًا طويلا جداً كلٌ ينتظر دوره، ولو انتظرت لفاتتني الرحلة!
خرجت من الصف صوب الموظف المسؤول، وأخبرته بظرفي، وموعد رحلتي، فاعتذر بأن اقف في الطابور!
قلت له موعد رحلتي على وشك المغادرة!
فقال: للأسف رحلتك أقفلت !
صدمني بهذا الرد!
كيف أقفلت وأنا قبل قليل حجزت عليها؟
أجابني قائلا: راجع مكتب المبيعات!
عدت لمكتب المبيعات على عجل وقد بدأ علي التوتر خوفا من ذهاب رحلتي، ورجعت إلى نفس الموظف الذي أجرى لي الحجز، وأخبرته بالوضع، فاهتم لأمري، عندما رآني منزعجا، وأخبرته بالسبب وأن سير صف الناس طويل، وأن الموظف المعني اعتذر لي بأن الناس كلهم لهم نفس ظرفي!
وفعلاً: الرحلة أغلقت -كما هو المعتاد- قبل الإقلاع وقبل ان أتمكن من قطع تذكرة الصعود للطائرة!
فقام من توه، وترك عمله الذي بين يديه؛ كي يخدمني -قام معي وذهب إلى مكتب درجة رجال الأعمال، فإذا الصفوف فعلا طويلة، قام واتصل بهاتفه النقال على أحدهم، وقال له: جملة جميلة -بعد أن رد عليه- (معي شخص عزيز وغال علي) -والله لا أعرفه إلا في هذه اللحظة- ! أخبره بوضعي، وما حصل لي، ثم طال الحديث، لا أدري ما الذي دار بينهما في تلك المحادثة، ثم أنهى الاتصال، وقال لي لقد اتصلت بأكبر مسؤول: هو مشرف مطار الملك عبدالعزيز، ثم قال لي: والله قمت من أجلك! ثم دون بعض المعلومات على ورقة كانت بيده، وقال اذهب إلى البوابة التي دونتها على الورقة ستجد بطاقة الصعود هناك، وأعطاني رقمه الشخصي لأتواصل في حالة حدث شيء…، ثم أخذني وأوصلني بوابة المغادرين، وأخبر الحراس الذين على بوابة الصعود أن يسمحوا بالانطلاق لأن رحلتي على وشك الإقلاع…
الحمد الله لم تفتني الرحلة، وهبطت بي طائرة الرحلة في مطار جازان، ثم وصلت منزلي، وتفكيري كله بصنيع (موظف الخطوط الجوية السعودية) الذي حفطت اسمه من خلال لوحة الاسم التي على صدره؛ “طلال الجيلاني”!
لقد كان له من اسمه نصيب فقد أطلَّ علي بطلته البهية فهو كالأطلال الشاخصة، يراه الجميع، تعلو محياه ابتسامته الآسرة وبشاشته التي ينشرح لها صدر كل من رآه، فهو كديمة مهطال..
قام لخدمتي عندما رآني متضرراً ليرفع عني ذلك، وحافظ على وقتي وصحتي وحقوقي، لقد ترك مكتبه، وقام يسعى جاهداً عندما رآني مهموماً مغموماً وتجول بي بين المكاتب، ليصنع معروفاً لن أنساه طوال عمري!
الناس في ازدحام، والطوابير طويلة، ووقتي ينفذ، وطائرة رحلتي ستغادر، ثم فرج عني ذلك كله، بموقفه الإنساني النبيل، واخلاقه الإسلامية الرفيعة، وشهامته العربية، وحسه الوطني الأصيل، وتواضعه الجم، ليكون النموذج المثالي لموظفي الخطوط الجوية السعودية.

تأملت في اسم الجيلاني:
فوجدته باللغة الهندية بمعنى الفوز فلقد فزت بخدمته وبموقفه النبيل…
ثم وجدته باللغة اليونانية بمعنى: الشفاء، و التداوي والتعافي؛ لقد كان ما قدمه لي من صنيع أشبه بالشفاء والدواء والعلاج، وأشبه بالبلسم الشافي بما صنعه معي من خدمة، فكفَّى ووفَّى..
ووجدت معناه باللغة الفارسية بمعنى :الصفاء، فهو صاحب نفس صافية، وروح شفافة، فصفت نفسي وذهب ما بها ما أصابها من ضيق وهم…
وبحثت عن معناه باللغة العبرية فوجدتُ معناه: الصمود والعزيمة، فكان صاحب عزيمة وصمود وإصرار من خلال تواصله واتصالاته مع المسؤولين والمعنيين، فارتفعت عزيمتي وعاد لي الأمل…
فأنت ياطلال صاحب خلق رفيع، لست متصنعاً للخير، فالخير فيك أمر فطري،والخير يبقى لمن صنعه ويبقى هذا المعروف شافعا لصاحبه في الدنيا و الآخرة، لن أنسى جميلك هذا ما حييت، وسأظل أدعو الله، أن يجزل لك المثوبة والأجر .

 

حواشي
[١] رواه أبو داود رقم (١٦٢٧)، عن عبدالله بن عمر، وصححه الألباني في إرواء الغليل، رقم(٦٠).
[٢] رواه الترمذي رقم (١٩٥٤ )، عن أبي هريرة.
[٣] رواه الطبراني في الأوسط، رقم(٨٩٠)،عن أم سلمة.وصححه الألباني، صحيح الترغيب (٨٩٠ ).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى