مقالات

خواطر.. احترام المعلم

بقلم ـ أسعد واصلي

قابلت يوما من الأيام طالبا من طلابي الذين درستهم في المرحلة المتوسطة والثانوية في أحد الأسواق القريبة من مسكننا, بادرته بالسلام أولاً:, فسلم علي سلاما باهتا!
فقال لي: حياك الله يا أسعد!
قلت له: حياك الله،يا أستاذ (عبدالله)!
لأنه أصبح (اليوم) معلما!
وانتهت المقابلة.
توقعت منه أن يحسن إليَّ، أن يفرح بلقائي، أن يقبل رأسي، أو يهش ويبش في وجهي، أو يناديني بمعلمه (أستاذ) أو شيخ أو باللقب العلمي ..
ولكن للأسف لم يحصل شيء من ذلك!
صورة تكررت مع أكثر من طالب معي!
هل يا ترى هناك أسباب جعلت من هذا الجيل يرى نفسه أنه صار نداً لأساتذته ومن علموه؟
أو أنه يرى نفسه أفضل منهم؟
أو يشعر بعقدة النقص ؟
أو أنه نسي ولم يعرف آداب طالب العلم؟
أو أننا نحن كنا مقصرين معه؟
نعم هناك أسباب كثيرة جعلت هذا الجيل أو البعض منهم يتنكر لمن علموه وقدموا له العلم النافع والرؤية الواضحة السليمة المستقبلية التي أنارت لهم دروب الحياة.
وكما سمعنا مقولة: “من علمني حرفا ؛ صرت له عبدا”
وأنا هنا لست مع هذه المقولة بمعناها الحرفي، بل أريدهم يكونون أحراراً في ذواتهم وعقولهم مع تقديرهم لأولي الفضل عليهم!
فهذه المقولة فيها مبالغة كبيرة في استحقاق الثناء والتبجيل والتقدير والاحترام والإجلال
في حق المعلم ومن قدم له العلم واستفاد منه، لأن كل شيء قدم لك سرعان ما يذهب ، إلا أن يكون علماً وفائدة ونفعاً فهذا سيبقى معك وسيرافقك حتى في آخرتك..
فينبغي لكل من استفاد من شخص أن يذكره بخير. فحق هذه الفائدة أن تشكر , وفي الحديث الصحيح عن عبدالله بن عمر -رضي الله عنه- قال: قال صلى الله عليه وسلم: “من صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تستطيعوا أن تكافئوه فادعوا له حتى تروا أن قد كافأتموه”
وهذا معناه أن كل من صنع لك معروفا -مهما كان هذا المعروف- ولو كان صغيراً فمن واجبه تجاهك أن يعرف ذلك المعروف ولا ينساه، ومن أعظم المعروف الدرس العلمي الذي علمك وأرشدك فيه ودلك على الخير، حتى تكونت فكرياً ونفسياً وساعدك في تكوين شخصيتك، هذا لا شك أنه من أكبر الإحسان وهذا دأب العلماء الأجلاء في القديم والحديث، وفي المنظور من سير العلماء أنهم يذكرون من تعلموا منهم بالجميل يثنون عليهم ويدعون لهم ويقرون بفضلهم، ولا يلزم أن يكون هذا قد أخذ منه كل العلوم, إنما العلم عملية بنائية تراكمية، فالله -سبحانه وتعالى- يقول: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا ﴾[ سورة النحل: ٧٨], .
ومهما ارتقى الطالب في أعلى المناصب والدرجات العلمية يبقى أسيرا لمن علموه، فعلى كل طالب تلقى علما من معلم ولوحرفا واحداً ألا يتعالى عليه ويستكبر، فأعلى الناس مهما بلغ منه العلم، فالعلم حقيقته: أنه كلما زاد نصيبك من العلم تبين لك قدر ما تفضل به عليك من علمك، فأنت إنما تعرف فضل من علمك بقدر ما حصلت من العلوم؛ ذاك لأنه تبين لك قدر ما كنت تجهله قبل التعليم.
فما نلاحظه اليوم مع كثرة الوسائل للوصول إلى المعلومة أصبح المعلم قليل القدر في كثير من أنظار الناس ، فهذا لا يعني انتشار المعلومة يؤدي إلى ذهاب قدر المعلم! لان المعلم يبقى له من المكانة والمزية ما ينبغي أن تحفظ.
فعلينا أن ندعو لهم بالخير، ونعرف حقهم ،وفضلهم، وأن نقدم لهم كل التحايا على مدى الأزمان نظير جهودهم وأفضالهم، وسابقتهم إلى الخير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى