مقالات

المتخيل التاريخي وجمالية التشكيل السردي قراءة في(صراع التاريخ) للروائية سلمى البكري

واكب – متابعات

قراءة: طالب زعيان/ العراق

الرواية قبل أن تكون عملاً أدبياً هي عمل ثقافي، أي تنقل لنا ثقافات وتاريخ الحضارات والمجتمعات من كل جوانبها وعمقها وإرثها الشعبي والمثيولوجي والديني والعلمي وغيرها، فتظهر لنا انطباعاً كاملاً عن تلك الحضارة أو المدينة أو الشخصية. وقد دأب بعض الروائيين كتابة الرواية التاريخية وكأنهم يعلنون عن كتابة التاريخ من جديد، بصيغة أدبية وسردية فائقة الجمال، مختلفة عما هو مدون، فأصبحت هذه الروايات بمثابة وثيقة تشهد للتاريخ، مغلفة بدلالات أدبية وتوصيفات جميلة للحدث. لذلك فإن هذا النوع الأدبي، لا بد أن تتوفر فيه عاطفة جياشة وخيال واسع وصور جميلة معبرة وسرد حاذق، ليحاول شد المتلقي نحو العمل.
لقد إشتغل على هذا الجنس الأدبي عدد قليل من الأدباء، وكانت الروائية سلمى البكري أحداهم، إذا ما علمنا أنها أصدرت مؤخراً رواية تاريخية أخرى صدرت عن نفس الدار بعنوان (كوكولكان).
صدرت رواية (صراع التاريخ – فرسان الهيكل) بطبعتها الثانية عن دار تأثير للنشر والتوزيع في السعودية عام ٢٠٢٢، وكانت الطبعة الأولى قد صدرت عن دار نون للطباعة والنشر في العراق عام ٢٠٢٠.
نوهت الكاتبة في بداية منجزها بأنها جمعت بين دفتي روايتها التاريخية هذه الخيال الخصب وهو يتعاشق مع الحقيقة، بإسلوب رشيق، وهذا ما دونه الدكتور بهنام عطاالله في الغلاف الأخير للكتاب قائلاً:
“صراع التاريخ رواية تنطلق من عبق التاريخ وبعض من زيفه، كتبتها الروائية سلمى البكري بعد قراءة مستفيضة وبحث متواصل، حيث قضت – كما تقول- سنوات من القراءة والبحث في خرافة وأطماع وسياسة فرسان الهيكل، التي يقودها التطرف والذهب والدم والسيطرة ثم قررت الكتابة ..فهي بكل مشاهدها وأحداثها يمكن تأطيرها ضمن الروايات التاريخيةمحمولة بمهيمنات درامية وفيوضات حكائيةذكية، يظهر فيها الفعل السردي واضح جداً، فعندما تقرأها يخال لك وكأنك أمام فلم درامي ملحمي تاريخي يمثل صراعاً بين الخير والشر”.
فهي كما يظهر أن الرواية تُجنس ضمن (الرواية التاريخية)، محملة بسرد ذكي ووصف دقيق لمجريات الأحداث والأمكنة، حيث يظهر الفعل السردي واضحاً في مجمل هذا العمل الإبداعي، وتبين ثيمة الرواية من خلال الصراع الحاد الأزلي بين الخير من جهة والشر من جهة أخرى.
فلو وقفنا عند عتبات الكتاب الأولى لوجدنا الصراع واضحاً، فمن خلال الغلاف سنراه يبوح بشيء من الحدة والقوة والتسلط، فغلاف الكتاب دون باللون الاحمر القاني الذي يمثل الدم والمعارك، مع بعض من أرشيف فرسان الهيكل كالختم والهيكل التي توحي إلى القوة الظاهرة عليهم.
أما عتبة الإهداء هي من العتبات المهمة في الكتاب أيضاً، والتي ينبغي على القارئ الوقوف عندها ليتضح لمن هذا الإهداء، سواءً كان عاماً أو خاصاً، هنا وجدناه خاصاً، حيث كان لوالدتها وجدتها، لكونهما كانا مصدراً لها من ناحية القوة والإستمرار في عملها، أي بمثابة شكر لهما.. كنت أتمنى أن يكون عاما وليس خاصاً بحكم مضمون الرواية ومغزاها ورسالتها للعالم في تجنب الشر .
في “قصر الشر” تبدأ الكاتبة روايتها باسلوب خيالي، فيخال لها أنها أمام قصر مترامي الأطراف يحيط به “الدخان الأسود الكثيف الذي يعيق رؤيته بوضوح. صوت المياه، والأمواج المتلاطمةيتوغل في أعماق أذني. أشعر بأن خطراً حقيقياً سيداهمني”، ثم يتبين لها فيما بعد أن هذا الدخان الأسود يتدرج من الأبيض إلى الرمادي، فالأسود الحالك مع أصوات زئير وأفاعي وأجنحة نسور تصدر من داخل القصر، فضلاً عن رؤوس ثعابين وغيرها، فهي في موقف مرعب وبعد ذلك تعود إلى وعيها وإلى الواقع وكأنها كانت في حلم أو أن روحها أنتقلت إلى عالم أخر.
“أغمضت عيني لبرهة، ثم فتحتها، على صوت صرير البوابة الكبيرة وهي تفتح أمامي..قوة كبيرة جذبتني إلى الداخل كالمغناطيس، وكأنها تنزع روحي من جسمي..فجأة تتركني تلك القوة التي أحسستُ بشرها، كي أرى الرعب الحقيقي الآن”.
تستمر الروائية في سرد أهوال الرعب والحالة النفسية في “أبو العهود الأسود المغضوب” حيث الكائن المرعب يرسم على الورقة التي أمامه رموزاً وخرائط وخطوطاً غير مفهومة ولكن ما لفت النظر هو العنوان الكبير الذي دون في أعلى المخطوطة باسم “مخطوطة الشر”.
بعد هذه السياحة والتجوال ما بين الخيال والخوف والرعب وعدم الاستقرار النفسي، أنتقلت إلى العامل الديني “صكوك الغفران”حيث احتاجه بطل الرواية عندما أخطا و شعر بالذنب تجاه عمل ما.. تقول “امتطى أدريان صهوة جواده وهو في حالة هستيرية لا يعلم إلى أين هو ذاهب، ولكن يعلم ضخامة الذنب الذي اقترفه”..”ثم تنتقل إلى عالم الخير والشر .. النور والظلام والصراع مع فرسان الهيكل وهم من شخوص الأبرز في الرواية بما لديهم من قوة وبطش على الفقراء والآخرين، ففي “القافة المنكوبة وأفعى الشر”، تتحدث الروائية عن حقبة معينة من الزمن، أشتد فيه القتال.. وتضرب لنا سبباً من أسباب الصراع عندما سيطر الفرنجة على القدس، لكن لم يستطيعوا أن يحكموا قبضتهم على الطرق المؤدية إلى الأراضي المقدسة فكانت الطرق غير آمنة، وخاصة ليلاً عندما كانت تأتي قوافل الحجاج كانت تواجه عنفاً كبيراً من قطاع الطرق وملاك الأراضي، الذين يرون أن من حقهم الحصول على ثمن مقابل ذلك:
” عندما قطع الليل شوطاً كبيراً نحو مدارج الفجر، هاجم قطاع الطرق قافلة متجهة إلى مدينة القدس، فقتلوا من قتلوا وأسروا اعداداً منهم، فلم تستطع الهرب إلا فتاة مع شقيقها فقط، حيث كانت هذه شرارة الغضب التي أشتعلت بين الناس”.
ثم تستمر الروائية في السرد والوصف ضمن “معادلة الخلود” و “ترديد القسم” و “التجسد” و “المخطوطة والوصايا” و “والحفر تحت الهيكل”، وهي تبدع في السرد الأدبي والوصف المتسلسل والمنطقي، حيث تصف لنا القدس بعد ثلاث سنوات، عندما أقتحم الفرسان ساحة هيكل سليمان ورفعوا إعلاماً فيها، وبنوا معقلا محكم التحصين بغية المباشرة بالحفر والتنقيب .

وفي جزء”نهاية الفرسان”، احتدمت معركة طويلة بين فرسان الهيكل والكتائب المهاجمة، وما بين كر وفر وهجموم وانسحاب، فلم تكن معركة سهلة حيث سقط فيها قتلى وجرحى وأسرى، مما أدى بالشعب الى أن يخرج غاضباً ومحتجاً أما قصر الملك فيليب والشوارع المجاورة، هاتفة ضد المك وحاشيته وعملائه، وبالرغم من جبروت الملك إلا أنه أستسلم وهرب إلى مكان أخر لأنه لم يكن يهمه الشعب بل فقط مصلحته الآنية .

ثم تنقلنا الروائية سلمى البكري إلى مشهد المرحلة الأخيرة من الرواية وكأنها تريد أن تصور واقعنا الحالي ولكن لم تصرح به، بل دونته من باب الرمزية أو التشبيه، أسمته ب (ظهور الوحش) وهو كائن خرافي ضخم أحمر اللون، وصفته بأنه مرعب جداً يبلغ طوله متراً ونصف المتر، يمتلك أذرعاً طويلة ومخالب عملاقة وذيلاً شبيهاً بذيل العقرب، وفي نهايته العديد من رؤوس الثعابين، هذا التصوير المخيف خلق عندها وعند الآخرين حالة من الخوف والهلع والرعب، وخاصة بعد أن فك الكائن الخرافي الأغلال وبدأ يقترب منها رويداً رويداً. وهذا ما تم الإشارة اليه في الغلاف الأخير للرواية حيث جاء فيه: “والأهم ما في الرواية وأجمله هو ربط الرواية بوقائع حالية حدثت في عالمنا ومازالت، والمتمثل بظهور الوحش، والوسم الذي يتحدثون عنه في إشارة واضحة الى تنبؤات قديمة”.

وأخيرا نقول أن الرواية مرت بمحطات ومشاهد عبر الفترات الزمنية، فمن العالم الخيالي إلى العالم الديني والاجتماعي إلى الصراع البشري بين الخير والشر، وربطها بالمصاعب التي وقعت على البشر حالياً، حيث إستطاعت الروائية من ربط هذه الأحداث ما بين الماضي والحاضر كسلسة متصلة، بالرغم من تباعد واختلاف الزمان والمكان، فالخير والشر مغروسان في الطبيعة البشرية ولن يزولا ابداَ:
” في المشهد تظهر امرأة وهي داخل سوق شعبي لبيع لحوم الحيوانات والحشرات، وكل ما يزحف على الأرض..إنها تسعل بشدة لتدخل بعد برهة في نوبة هستيرية تبدأ من خلالها بمهاجمة الأشخاص، إنها تحاول أن تمص دمائهم، وتطلقها مثل نافورة ماء لونها أحمر قاتم وليتحول الجميع إلى نفس حالتها، فيهاجمون بعضهم بعضاً بشراسة..يتطور المشهد لتظهر جموع من البشر يتساقطون الواحد بعد الآخر.. إنهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة في الشوارع، والأزقة والطرقات..تتموه الشاشة مرة أخرى ..الشوارع خالية تماما من البشر، سكون مخيف يخيم على الجميع، لقد توقفت مظاهر الحياة” ..” فالوحش فك أغلاله وهو يقرب مني رويداً رويداً .. لا أرى سوى عينيه الواسعتين ذواتي الإشعاع الأزرق، ورمز مبهم يشبه وسماً لم أفهم معناه ظهر على جبينه ..إنه يقترب متي ..وفجأة لطمني بقوة على يدي اليمنى، فظهر فجاة شبيه هذا الوسم عليها..أحاول جاهدة أن أزيل الوسم من يدي ..غضب الوحش من ذلك، إنه يصرخ بعبارات لا أفهمهامطلقاً..يا الهي ! ماذا يحدث ؟ أشعر بأن نبضات قلبي تخفق بسرعة كبيرة جداً، رعب شديد يملأ المكان..هذا الكائن الخرافي يقترب مني أكثر وبخطوات سريعة، ثم يوجه نحوي شعاعاً من النار يخرج من فمه بسرعة مذهلة ” .

إن ما قامت به الروائية هو نقل واقعنا المرير، وبنفس الوقت هي رسالة للبشرية جمعاء، على تغيير الواقع والانتصار والوقوف مع الخير والحق ضد الشر والظلام.
كتبت الرواية بلغة سلسلة وبسيطة وواضحة بعيداً عن التعقيد بالألفاظ والمعاني، لكن تحمل بين طياتها عدة معاني ودلالات عميقة، فضلاً عن السرد الجميل الذي تناولته الكاتبة حسب الفترات الزمنية بتدوين محكم ومكثف، بعيداً عن التكرار والإطناب. وفي سردها هذا تأخذنا أحيانا نحو الحوار الدرامي والوصف المتسم بالجمال وبأسلوب شفاف وحيادي من كل الأحداث، وهذا يحسب للروائية التي وقفت مع الجميع بمسافة واحدة، وهذا من أهم عوامل نجاح الرواية. فلا نريد كاتباً يمجد جهة ويذم جهة أخرى، مما يفقد مصداقيته لدى القراء، فضلاً عن خلو الرواية من الأخطاء الإملائية مما يعزز ثقة القارئ بالرواية ويزيد الرغبة في مواصلة قراءتها ومتابعتها .

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى